استمر الجدل حول وفاة الدكتور ضياء العوضي على نحو غير معتاد، إذ لم يخفت الاهتمام بعد أشهر من رحيله في أبريل 2026، بل تحول إلى ظاهرة اجتماعية واسعة ارتبطت بنظامه الغذائي المثير للجدل المعروف باسم «الطيبات». ويرى صقر النور أن الضجة تجاوزت منصات التواصل الاجتماعي لتترك آثارًا ملموسة على الصحة العامة، بعدما تبنى آلاف الأشخاص أفكار النظام الغذائي الذي يَعِد بعلاج مجموعة واسعة من الأمراض المزمنة، ما يجعل «الطيبات» ظاهرة اجتماعية وصحية تستحق الدراسة، لا مجرد حمية غذائية.
وأفادت المنصة بأن مركز «عربي فاكتس هب» وثّق تصاعد الاهتمام بهذا النظام في تقرير أظهر وصول المنشورات المرتبطة به إلى نحو 11,600 منشور شهريًا خلال مايو ويونيو، حصدت نحو 3.1 مليار مشاهدة وأكثر من 51.3 مليون تفاعل. وفي الوقت نفسه، وُثقت حالات وفاة عدة ارتبطت باتباع هذا النظام، بينما تزخر منصات التواصل بشهادات تنسب إلى العوضي ونظامه الغذائي القدرة على علاج أمراض مزمنة، في مشهد يعكس انتقال الضجيج الرقمي إلى الواقع وتأثيره المباشر على أجساد البشر.
من طبيب تخدير إلى «شهيد» في نظر أتباعه
بدأ الدكتور ضياء العوضي مسيرته طبيبًا للتخدير، من دون خلفية أكاديمية متخصصة في التغذية أو الغدد الصماء. وأثار ذلك انتقادات نقابة الأطباء التي اتهمته بتجاوز نطاق تخصصه بعدما بدأ يخاطب ملايين المتابعين عبر «يوتيوب» و«فيسبوك» بشأن أمراض مزمنة معقدة، من بينها السكري وأمراض الكلى والقلب والأورام.
وبنى العوضي صورته الإعلامية باعتباره طبيبًا متمردًا وحيدًا يواجه مؤسسة طبية وصفها بالفاسدة، بينما رفضت المؤسسات الطبية المصرية منهجه رفضًا قاطعًا.
وفي مارس 2026، أغلقت وزارة الصحة والسكان عيادته في القاهرة تنفيذًا لحكم أصدرته لجنة التأديب الابتدائية بنقابة الأطباء، قضى بشطب عضويته وإزالة اسمه من سجلات النقابة. واستند القرار إلى اتهامه بـ«نشر معلومات طبية مضللة قد تعرض المرضى لمخاطر صحية جسيمة، من بينها حث مرضى السكري على التوقف عن استخدام الأنسولين».
لكن العوضي غادر إلى دبي، حيث واصل نشاطه عبر الإنترنت وفي عيادة خاصة، قبل أن يتوفى إثر أزمة قلبية عن عمر 47 عامًا في 19 أبريل.
وأشعلت وفاته تحولًا مفاجئًا في صورته لدى أتباعه، إذ لم يعد في نظرهم طبيبًا مثيرًا للجدل أُوقفت رخصته، بل تحول إلى «شهيد» مات دفاعًا عن أفكاره وانحيازه إلى عامة الناس. وشكّل ذلك اللحظة التي انتقل فيها نظام «الطيبات» من حمية مثيرة للجدل إلى ظاهرة اجتماعية متكاملة.
وترى «المنصة» مفارقة لافتة في هذا التحول، إذ إن القرار المؤسسي الذي استهدف حماية المرضى أصبح، في نظر أتباع العوضي، دليلًا ملموسًا على صحة ما كان يقوله.
بين الحقيقة والخرافة في نظام «الطيبات»
في صورته الأساسية، لا يتجاوز نظام «الطيبات» قائمة بالأطعمة المسموح بها والممنوعة، موزعة على فئات تشمل النشويات والدهون ومنتجات الألبان واللحوم والدواجن والبقوليات والخضروات والفواكه والسكريات. لكن القراءة المتأنية لهذه القوائم وتبريرات العوضي تكشف أن النظام لا يمثل كتلة واحدة من الأخطاء والحقائق، بل يضم طبقات مختلفة؛ إذ تتوافق بعض توصياته مع برامج غذائية أخرى، بينما تستند توصيات أخرى إلى ملاحظات فسيولوجية صحيحة جرى توسيعها إلى استنتاجات شاملة لا تدعمها الأدلة العلمية، في حين تفتقر ادعاءات أخرى إلى أي أساس علمي وتتعارض مباشرة مع الإجماع الطبي.
وتحدثت «المنصة» إلى أحمد أبو الحمد مهنى، أستاذ الصناعات الغذائية بكلية الزراعة في جامعة سوهاج، الذي انتقد التناقض الكامن في تصنيف الأطعمة ضمن النظام.
فعلى سبيل المثال، يمنع النظام البيض والبقوليات والزبادي، وهي مصادر معروفة للبروتين والمعادن والبروبيوتيك المفيد، إلى جانب معظم الخضروات، بينما يسمح بتناول الأجبان الصلبة الغنية بالدهون المشبعة والصوديوم، ويجيز تناول السكر والعسل والشوكولاتة بلا حدود تقريبًا. بل يسمح أيضًا بالتدخين، ويصفه بأنه «أقل ضررًا» من بعض الأطعمة المحظورة.
حين تختلط المعلومة الصحيحة بالادعاء المضلل
احتل الدقيق الأبيض مكانة مهمة في خطاب العوضي، ويقدم مثالًا واضحًا على الطريقة التي مزج بها خطابه بين الحقيقة والمعلومات المضللة.
فالعوضي لم يرفض القمح بالكامل، بل نصح بتناول الخبز «المخمّر جيدًا» وتجنب الخبز «السريع والصناعي». وذهب إلى أن طحن الحبوب الكاملة وعجنها وتخميرها جيدًا يؤدي إلى تغيرات كيميائية تجعلها أقل ضررًا، لأن التخمير يحلل جزءًا من الجلوتين والنشويات. وفي المقابل، يُنتج الدقيق الأبيض التجاري عبر إزالة النخالة والجنين من القمح، مع إضافة مواد تبييض ومحسنات صناعية للخبز، ثم خبز العجين سريعًا من دون تخمير كافٍ.
ويحمل هذا الطرح قدرًا من الحقيقة العلمية، لكنه يضخمها إلى حد بعيد. فصحيح أن القمح الكامل يحتوي على ألياف تزيد بنحو خمسة أضعاف عما يحتويه الدقيق الأبيض، إلى جانب مستويات أعلى من البروتين والمعادن والفيتامينات ومضادات الأكسدة التي يفقد بعضها خلال عمليات الطحن والتكرير. لكن وجود هذا الاختلاف الغذائي الموثق لا يعني أن وصف الدقيق الأبيض بأنه «سم» يستند إلى أساس علمي.
وخلصت ورقة علمية نُشرت عام 2025 بعنوان «الفصل بين الخرافات والحقائق حول الخبز والصحة» إلى أن الخبز الأبيض ليس ضارًا بطبيعته، ويمكن أن يندرج ضمن نظام غذائي متوازن عند تناوله باعتدال وفي إطار نمط غذائي غني بالعناصر الغذائية.
ويكشف هذا المثال نمطًا متكررًا في خطاب العوضي؛ إذ يبدأ بحقيقة جزئية، ثم يربطها بصورة بلاغية مخيفة تفتقر إلى أساس علمي، بحيث تحل الاستعارة المرعبة المتعلقة بالجسم محل الأدلة التي يفتقر إليها.
وينطبق النمط نفسه على حديثه عن مقاومة الأنسولين ومرض السكري. فقد صاغ العوضي نظرية معقدة حول ما وصفه بـ«الصراع الهرموني» بين الكورتيزول والأنسولين. ووفقًا لرؤيته، لا يمثل ارتفاع سكر الدم فشلًا مرضيًا، بل «محاولة إنقاذ» يقوم بها الجسم لحماية الدماغ. ومن ثم، يرى أن الحل لمرضى السكري لا يكمن في زيادة جرعات الأنسولين، وإنما في «تهدئة» مصدر الالتهاب الغذائي.
ويقدم هذا الطرح تبسيطًا مضللًا لعملية فسيولوجية شديدة التعقيد تتداخل فيها هرمونات التوتر، لكنه يُستخدم للوصول إلى نتيجة خطيرة مفادها أن مريض السكري قد لا يحتاج إلى دوائه إذا «أصلح بيئته الداخلية» عبر تغيير نظامه الغذائي.
ومن اللافت أن المواقع التي تروج لنظامه تضطر إلى التنصل من هذه الادعاءات، إذ تضع إحداها تنبيهًا على مقالاتها يؤكد أن المحتوى مخصص للأغراض التعليمية والمعلوماتية فقط، وليس بديلًا عن الاستشارة الطبية، وأن مرض السكري حالة خطيرة تتطلب متابعة طبية، مع التحذير من إيقاف أي دواء دون استشارة الطبيب، وضرورة مراقبة مستوى السكر عن كثب عند إجراء تغييرات كبيرة على النظام الغذائي وضبط جرعات الأنسولين تحت إشراف طبي.
ويكشف هذا التناقض الداخلي بين الخطاب الشفهي الجريء الذي أشعل حماس أتباعه والتنبيهات المكتوبة التي تحد من المسؤولية القانونية، جانبًا من طبيعة هذه الظاهرة.
التدخين والدواجن والسكر.. ادعاءات تتعارض مع العلم
إذا احتوى خطاب العوضي حول الدقيق الأبيض على قدر من الحقيقة جرى تضخيمه بصورة مبالغ فيها، فإن العديد من ادعاءاته الأخرى تفتقر تمامًا إلى الأساس العلمي. وكان من أخطرها قوله إن «التدخين والنيكوتين لا يضران بالصحة»، ووصف التدخين بأنه «مجرد شهيق وزفير»، وأن سوء التغذية يمثل تهديدًا أكبر. بل ذهب في بعض مقاطعه إلى إنكار أن التدخين سبب مباشر للإصابة بالسرطان.
ووصف أبو الحمد مهنى، في حديثه إلى «المنصة»، هذا الادعاء بأنه «أخطر ادعاءات النظام على الإطلاق»، رافضًا إياه بصورة قاطعة. وأشار إلى أن التدخين يودي بحياة أكثر من 8 ملايين شخص سنويًا، ما يجعله السبب الرئيسي للوفاة التي يمكن الوقاية منها عالميًا، وفق منظمة الصحة العالمية. كما أكد أن التدخين يسبب بصورة مباشرة سرطان الرئة وأمراض القلب والسكتات الدماغية.
وتؤكد الأرقام خطورة التدخين؛ ففي الولايات المتحدة وحدها، يودي التدخين بحياة نحو 480 ألف شخص سنويًا، بما يعادل نحو حالة وفاة واحدة من كل خمس حالات. ويتجاوز هذا الرقم عدد الوفيات المرتبطة بالدهون المتحولة الناتجة عن الزيوت المهدرجة، والتي تُقدّر بنحو 50 ألف حالة سنويًا، بما يتراوح بين تسعة وعشرة أضعاف. ومن ثم، فإن القول إن التدخين «أقل ضررًا» من أي طعام يتعارض مع إجماع وبائي راسخ امتد لعقود.
وانتقل الجدل كذلك إلى الدواجن، إذ ربطت تقارير صحفية عدة خلال الأشهر الماضية بين تراجع أسعار الدواجن وانتشار نظام «الطيبات»، الذي يحظر تناولها. وادعى العوضي أن الدجاج «ليس طعامًا للبشر»، بل «كتلة من الهرمونات والمضادات الحيوية» تسبب ما وصفه بـ«الالتهاب الصامت»، واتهم الدواجن بـ«تدمير الهرمونات الأنثوية والذكرية»، معتبرًا أن حظرها بالكامل «الخطوة الأولى نحو الشفاء».
لكن أبو الحمد مهنى أشار إلى أحد أبرز تناقضات نظام «الطيبات»، والمتمثل في السماح بتناول اللحوم الحمراء مع رفض الدواجن، رغم أن الدجاج منزوع الجلد يُعد من أنقى مصادر البروتين الحيواني، نظرًا إلى قيمته الغذائية المرتفعة وانخفاض محتواه من الدهون المشبعة. وفي المقابل، تصنف الوكالة الدولية لأبحاث السرطان اللحوم الحمراء باعتبارها من المواد «المحتمل أن تكون مسرطنة».
كما يعتبر العوضي الخضروات الورقية النيئة، مثل الخس والجرجير والسبانخ والبصل والثوم، إلى جانب البقوليات، «علفًا للبهائم». ويقدم في هذا السياق تبريرًا دينيًا بدلًا من التبرير العلمي، مستندًا إلى تفسير مثير للجدل للآية القرآنية: «أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير؟».
أما السكر، فقد أشار العوضي في أحد مقاطعه إلى إمكانية تناول كيلوغرام كامل منه يوميًا، وهي نصيحة تتعارض بصورة صارخة مع توصيات منظمة الصحة العالمية التي توصي بألا تتجاوز السكريات الحرة 10% من إجمالي استهلاك الطاقة اليومي للبالغين، مع تحقيق فوائد صحية إضافية عند خفضها إلى أقل من 5%، أي ما يعادل نحو ست ملاعق صغيرة فقط.
ومن أخطر توصيات النظام، والأقل حضورًا في النقاش العام، دعوته إلى شرب الماء «عند الشعور بالعطش» فقط، من دون الالتزام بكمية يومية محددة. ويتعارض ذلك مباشرة مع توصيات منظمة الصحة العالمية بشرب ما بين لترين وثلاثة لترات من الماء يوميًا موزعة على مدار اليوم.
وتزداد أهمية الحصول على كمية كافية من المياه في مصر، ذات المناخ الحار والجاف، الذي يوفر بيئة مناسبة للإصابة بالجفاف المزمن الخفيف. وأوضح أبو الحمد مهنى لـ«المنصة» أن ذلك قد يؤدي إلى الصداع والإمساك وتراجع التركيز، كما يزيد خطر الإصابة بحصوات الكلى، ما يعني أن الاعتماد على الشعور بالعطش وحده لا يوفر مؤشرًا كافيًا لتحديد احتياجات الجسم من المياه.
وتكشف القراءة المتأنية لنظام «الطيبات» أنه لا يمثل منظومة فكرية متماسكة، بل مجموعة من التبريرات متفاوتة الجودة. ففي بعض الأحيان، يتقاطع مع حقائق فسيولوجية جزئية، مثل فوائد التخمير والالتهاب المزمن، بينما يتعارض في أحيان أخرى بصورة صارخة مع الأدلة العلمية المتاحة، خصوصًا فيما يتعلق بالتدخين والدجاج والسكر.
لكن السؤال الأهم يبقى: لماذا يحظى هذا الخطاب بكل هذه الشعبية رغم تناقضاته الكثيرة؟ وكيف يتعامل الجمهور انتقائيًا مع هذه التوصيات، فيتبنى الأجزاء التي تؤكد قناعاته ويتجنب المخاطر الناتجة عن تطبيق النظام كاملًا؟
https://manassa.news/en/stories/32932

